العلامة المجلسي
173
بحار الأنوار
بصره ، وانتشار ذكره ، واختلاف شهواته ، وانسكاب عبراته ، ومجمع سمعه ، وموضع عقله ، ومسكن روحه ، ومخرج عطسته ، وهيج غمومه ، وأسباب سروره ، وعلة ما حدث فيه من بكم وصمم وغير ذلك لم يكن عندهم في ذلك أكثر من أقاويل استحسنوها وعلل فيما بينهم جوزوها . قال : فأخبرني عن الله عز وجل أله شريك في ملكه ، أو مضاد له في تدبيره ؟ قال : لا ، قال : فما هذا الفساد الموجود في هذا العالم من سباع ضارية ، وهوام مخوفة ، وخلق كثير مشوهة ، ( 1 ) ودود وبعوض وحيات وعقارب ، وزعمت أنه لا يخلق شيئا إلا لعلة لأنه لا يعبث ؟ ( 2 ) قال : ألست تزعم أن العقارب تنفع من وجع المثانة والحصاة ، ولمن يبول في الفراش ، وأن أفضل الترياق ما عولج من لحوم الأفاعي ، وأن لحومها إذا أكلها المجذوم لشبت نفعه ، ( 3 ) وتزعم أن الدود الأحمر الذي بصاب تحت الأرض نافع للاكلة ؟ قال : نعم ، قال ( عليه السلام ) : فأما البعوض والبق فبعض سببه أنه جعل أرزاق الطير ، وأهان بها جبارا تمرد على الله وتجبر وأنكر ربوبيته ، فسلط الله عليه أضعف خلقه ليريه قدرته وعظمته وهي البعوض فدخلت في منخره حتى وصلت إلى دماغه فقتلته . واعلم أنا لو وقفنا على كل شئ خلقه الله لم خلقه ولأي شئ أنشأه لكنا قد ساويناه في علمه ، وعلمنا كل ما يعلم واستغنينا عنه وكنا وهو في العلم سواء . قال : فأخبرني هل يعاب شئ من خلق الله وتدبيره ؟ قال : لا ، قال : فإن الله خلق خلقه غرلا ، أذلك منه حكمة أم عبث ؟ ( 4 ) قال : بل حكمة منه ؟ قال : غيرتم
--> ( 1 ) شوه الوجه : قبح . ( 2 ) هذا من الأبحاث العميقة التي كانت متداولة بين الحكماء الأقدمين من أن الشرور كيف تصدر عن الحكيم ؟ فبعضهم أجابوا عنها بأجوبة ، وبعضهم كالثنوية ذهبوا إلى تعدد خالق الخيرات والشرور ، وما أجاب عنها الإمام ( عليه السلام ) من الأجوبة المتينة التي تنحل به عقد الاشكال . ( 3 ) في نسخة : إذا أكلها المجذوم بشبت نفعه والشبت : نبات كالتمرة يقال له ( رز الدجاج ) وفى نسخة : بسبب ينفعه . وفى المصدر : بشب ( نشيت خ ل ) نفعه . والشب : ملح معدني قابض ، لونه أبيض ومنه أزرق وهو أشبه بالزاج شب الليل : نبات . ( 4 ) هذه المسألة أيضا من ملحقات المسألة السالفة ، وحاصله أنا نجد في العالم أشياء وجودها تزعم لغوا فايجادها ينافي الحكمة .